عبد الملك الثعالبي النيسابوري

79

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

12 - أبو الطيب الطاهري هو طاهر بن محمد بن عبد اللّه بن طاهر ، من أشعر أهل خراسان وأظرفهم وأجمعهم بين كرم النسب ، ومزية الأدب ، إلا أن لسانه كان مقراض « 1 » الأعراض ، فلا تزال تخرج من فيه الكلمة يقطر منها دمه ، وتتبرأ منه نفسه . وكان وقع في صباه في شرذمة من أهل بيته إلى بخارى فارتبط بها وردت عليه ضياع نفيسة للطاهرية فتعيّش بها ، وكان يخدم آل سامان جهرا ، ويهجوهم سرا . ويطوي على بغض شديد لهم . ويتمنى زوال ملكهم وزوال أمرهم ، لما يرى من ملك أسلافه في أيديهم . ويضع لسانه حيث شاء من ثلبهم « 2 » ، وذم وزرائهم وأركان دولتهم ، وهجاء بخارى مقر حضرتهم ومركز عزهم . فحدثني أبو زكريا يحيى بن إسماعيل الحربي قال : سمعت أبا عبد اللّه محمد بن يعقوب الفارسي يقول في يوم من أيام وروده نيسابور على ديوانها : إن أصحاب أخبار السر كانوا ينهون إلى كل من الأميرين الشهيد والسعيد في أيامهما ما يقدم عليه هذا الطاهري من هجائهما ، فيغضبان عليه ويهبان جرمه لأصله وفضله ، ويتذممان من قتل مثله ، فدخل يوما على السعيد نصر بن أحمد فهش له وبسطه وحادثه ثم قال له في عرض الحديث : يا أبا الطيب حتى متى تأكل خبزك بلحوم الناس ؟ فنكس رأسه حياء ، ثم قام يجر ذيل خجل ووجل . ولم يعد لعادته في التولع به . قال أبو زكرياء : ومما يحكى من كلمات السعيد الوجيزة الدالة على فضله وكرمه قوله لأبي غسان التميمي وقد حمل إلى حضرته في يوم المهرجان كتابا من تأليفه : ما هذا يا أبا غسان ؟ قال : كتاب أدب النفس ، قال : فلم لا تعمل به ؟ وكان أبو غسان من الأدباء الذين يسيئون آدابهم في المجالس .

--> ( 1 ) المقراض : من قرض أي قطع . ( 2 ) ثلبهم : ذمّهم وإعابتهم .